
لفترة طويلة جداً، كان يُنظر إلى النزاعات في الشرق الأوسط داخل مجالس إدارة الشركات الإسبانية على أنها مآسٍ بعيدة، ضوضاء خلفية لا تؤثر إلا بشكل طفيف على النتائج المالية. لقد انتهى ذلك العصر. فالتصعيد الحالي في المنطقة ليس حدثاً معزولاً، بل هو اضطراب منهجي فجّر أسس العولمة كما كنا نعرفها، وأجبر قادة الأعمال على إعادة تعريف أولوياتهم في إدارة المخاطر.
بالنسبة لإسبانيا، باعتبارها اقتصاداً منفتحاً بدرجة عالية ويعتمد على واردات الطاقة، فإن التأثير فوري. لسنا أمام مجرد تقلب إحصائي، بل أمام مؤشر على بيئة دولية مجزأة تفرض فيها الجغرافيا السياسية نتائج الاقتصاد.
الشريان الطاقي والانهيار اللوجستي
ينبض قلب هذه الأزمة عبر مضيق هرمز، وهو نقطة حيوية يمر عبرها 20% من النفط العالمي وحوالي خمس الغاز الطبيعي المسال. وقد حولت هجمات الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية، إلى جانب التهديدات الإيرانية للملاحة البحرية، هذا الممر إلى منطقة عالية المخاطر. ولم تتأخر الاستجابة العسكرية: من نشر سفن حربية لمرافقة ناقلات النفط إلى حملات جوية أمريكية استهدفت مواقع مثل جزيرة خرج، المسؤولة عن 90% من صادرات النفط الإيراني.
وقد أدى هذا الاضطراب إلى صدمة فورية: حيث ارتفعت أسعار النفط بنسبة 50% في المراحل الأولى. لكن الضرر لا يقتصر على سعر البرميل؛ بل يشمل الجدوى الاقتصادية للنقل بسبب ارتفاع تكاليف التأمين وتحويل المسارات إلى طرق أطول وأكثر تكلفة. كما شهدت موانئ استراتيجية مثل جبل علي اضطرابات، وأصبحت هشاشة مركز دبي — الحيوي للتجارة والمساعدات الدولية — تهدد نموذج “الإنتاج في الوقت المناسب”.
خريطة الفاعلين والقطاعات الهشة
تكمن تعقيدات هذا الصراع في طبيعته متعددة الأقطاب. فمشاركة أطراف حكومية وغير حكومية — بما في ذلك إيران وإسرائيل والولايات المتحدة وحزب الله والميليشيات العراقية والحوثيون في اليمن — ترسم قوساً من عدم الاستقرار طويل الأمد.
وقد ضربت هذه الموجة القاعدة الصناعية الإسبانية بقوة. فالقطاعات كثيفة الطاقة مثل السيراميك والصناعات الكيميائية والمعادن والنقل تواجه تآكل هوامشها نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج. وحتى القطاعات المرتبطة بالحركة العالمية مثل الرياضة الدولية والترفيه والإعلام، أصبحت تواجه إلغاء فعاليات، وتغيير مواقع، وتعزيز إجراءات الأمن لحماية فرقها في مناطق غير مستقرة.
من الحقول إلى الأسواق المالية
ربما يكون التأثير الأكثر خطورة هو ذلك غير المرئي مباشرة: الأسمدة. إذ يمثل الخليج أكثر من 30% من صادرات اليوريا البحرية. ونقصها وارتفاع أسعارها يؤثران مباشرة على القطاع الزراعي الغذائي الإسباني، خاصة الحبوب والبستنة الموجهة للتصدير، مما يرفع أسعار الغذاء ويهدد الأمن الغذائي العالمي.
على المستوى الكلي، تقلل هذه الضغوط التضخمية من القدرة الشرائية للمستهلكين وتضعف قدرة الاستيراد لدى الأسواق الرئيسية لإسبانيا. ويُضاف إلى ذلك احتمال انخفاض التحويلات المالية من الخليج إلى آسيا وإفريقيا، فضلاً عن بيئة مالية ترتفع فيها مستويات المخاطر وتكلفة رأس المال، مما يعرقل قرارات الاستثمار.
السيناريوهات والتوقعات الاستراتيجية

تطور الصراع غير مؤكد، لكن يمكن تحديد ثلاثة سيناريوهات رئيسية.
في السيناريو الأول، يؤدي خفض التصعيد بسرعة نسبية إلى اضطرابات اقتصادية مستمرة، مع ارتفاع أسعار الطاقة على المدى القصير وتعافٍ تدريجي.
في السيناريو الثاني، يستمر الصراع، مما يحافظ على الضغوط على إنتاج الطاقة والتجارة البحرية، ويطيل أمد التضخم ويضعف النمو العالمي.
أما السيناريو الثالث فيفترض تصعيداً إقليمياً كبيراً، مع انخفاض كبير في صادرات الطاقة وتأثير سلبي على النمو العالمي يُقدر بانخفاض يتراوح بين 0.1% و0.2% في عام 2026.
بالنسبة للشركات الإسبانية، الرسالة واضحة: يجب أن تتفوق المرونة الاستراتيجية على الكفاءة البحتة. ويتطلب ذلك تنويع الموردين، وإعادة تقييم المسارات اللوجستية، وتسريع الانتقال نحو الطاقة المتجددة. ومن المفارقات أنه في خضم هذه التقلبات، تظهر فرص للشركات الإسبانية في مجالات الهندسة وإدارة المياه (الحيوية لمحطات تحلية المياه في الخليج) والبنية التحتية للطاقة. في هذا العالم المجزأ، لم تعد الجغرافيا السياسية مجرد خطر خارجي، بل أصبحت ساحة تحدد مستقبل الأعمال.
تداعيات على إدارة مخاطر الأمن، وواجب العناية، وإدارة الأزمات
إن تزايد تقلب البيئة الجيوسياسية، كما يتجلى في الصراع في الشرق الأوسط، يفرض على الشركات الإسبانية ذات الحضور الدولي — سواء بشكل مباشر أو عبر سلاسل التوريد — تعزيز أنظمة إدارة مخاطر الأمن بشكل كبير. وبعيداً عن التأثيرات الاقتصادية، يطرح هذا السياق تحديات حاسمة تتعلق بحماية الموظفين والامتثال التنظيمي والحفاظ على السمعة المؤسسية.
أولاً، يكتسب واجب العناية (duty of care) تجاه الموظفين أهمية استراتيجية. وعلى الرغم من أن هذا المفهوم أكثر وضوحاً في الأنظمة الأنجلوسكسونية، فإنه في القانون الإسباني يستند إلى التزامات متعددة، خاصة في مجال الوقاية من المخاطر المهنية. إذ تنص القانون 31/1995 على ضرورة ضمان سلامة وصحة العمال في جميع الجوانب المرتبطة بالعمل، بما في ذلك البيئات الدولية المعقدة التي تنطوي على مخاطر أمنية وسياسية أو نزاعات مسلحة.
ويضاف إلى ذلك الإطار القانوني لمسؤولية الشركات الجنائية (المادة 31 مكرر من القانون الجنائي الإسباني)، والذي ينص على إمكانية مساءلة الشركات في حال عدم اعتماد نماذج تنظيمية وإدارية مناسبة للوقاية من الجرائم.
في سياقات عالية المخاطر، فإن غياب بروتوكولات حماية الموظفين أو خطط الإجلاء أو الاستجابة للحوادث قد يؤدي إلى مسؤوليات قانونية، خاصة في حال إثبات الإهمال. كما أن معايير الامتثال والحكامة الرشيدة والمعايير الدولية (مثل ISO 31030 وISO 22301) تعزز الحاجة إلى نهج استباقي ومنهجي في إدارة المخاطر.
في هذا السياق، تتداخل المخاطر القانونية مع المخاطر السمعة. فحادث خطير يؤثر على الموظفين، مثل الاختطاف أو الإصابة أو الوفاة في مناطق خطرة، يمكن أن يضر بصورة الشركة وثقة المستثمرين والعلاقات مع الشركاء.
لذلك، يجب أن تُبنى إدارة المخاطر الأمنية على ثلاثة محاور أساسية: الوقاية، والقدرة على الاستجابة، وإدارة الأزمات. وتشمل الوقاية تقييم المخاطر حسب الدولة والنشاط، ووضع سياسات واضحة، وتدريب الموظفين، وأنظمة المراقبة. أما الاستجابة فتتطلب خطط إجلاء وقنوات اتصال آمنة وفرق تدخل. وأخيراً، تتطلب إدارة الأزمات هياكل تنظيمية واضحة، وبروتوكولات تواصل، وتنسيقاً مع الجهات المعنية.
انعكاس استراتيجي نهائي
لا يشكل الصراع في الشرق الأوسط نقطة تحول فقط على المستوى الطاقي والتجاري والجيوسياسي، بل يعيد أيضاً تعريف أولويات الشركات في مجال الأمن المؤسسي وحماية الأفراد. ففي بيئة تتسم بالتقلب والتجزئة، لم يعد من الممكن حصر الإدارة في المتغيرات الاقتصادية التقليدية، بل يجب دمج البعد الأمني بشكل هيكلي.
بالنسبة للقطاع الخاص الإسباني، يعني ذلك أن حماية الموظفين، خاصة أولئك العاملين في بيئات عالية المخاطر، أصبحت جزءاً أساسياً من المسؤولية المؤسسية. إن الالتزام بواجب العناية ليس مجرد التزام قانوني، بل عنصر أساسي للاستدامة والشرعية.
وتتطلب هذه التحولات في كثير من الحالات تجاوز القدرات الداخلية للشركات، من خلال اللجوء إلى خبراء خارجيين في الأمن وإدارة المخاطر وإدارة الأزمات.
في نهاية المطاف، ستعتمد مرونة الشركات بشكل متزايد على قدرتها على دمج المخاطر الاقتصادية والتشغيلية والأمنية ضمن رؤية استراتيجية متماسكة. إن الاستباقية، واحترافية إدارة المخاطر، وحماية الأفراد، تترسخ كركائز أساسية للنجاح في بيئة عالمية غير مستقرة.
خليل صياد هيلاريو
المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة SAHCO Consulting
مدريد، 2 أبريل 2026
امنح حياتك المهنية فرصة جديدة للحياة
متابعة وحدات الدورة التدريبية النظرية والعملية التي تثريها الملاحظات الحالية من الميدان




