وهم الأمن الأوروبي: لماذا تُخفي السردية المُتمحورة حول روسيا المشهد الاستراتيجي الحقيقي

إن التقييم الحالي للتهديدات في أوروبا يُعدّ خطيرًا من حيث عدم اكتماله؛ فرغم أن روسيا تمثل خطرًا مهمًا، إلا أنها ليست التهديد الوحيد، ولا بالضرورة الأكثر هيكلية. ففي الوقت الذي يُعيد فيه السلوك الاستراتيجي للولايات المتحدة، وعدم الاستقرار الداخلي الأوروبي، والتناقضات داخل التحالفات رسم خريطة المخاطر، فإن التركيز المفرط على موسكو قد يؤدي إلى أخطاء استراتيجية. لذلك يصبح من الضروري تطوير عقيدة أمنية أوروبية ذات مصداقية، قادرة على مواجهة الحقائق غير المريحة على جميع الجبهات.
تمر أوروبا بمرحلة إعادة تشكيل استراتيجية عميقة، لم تعد فيها المفاهيم التقليدية للتهديد والاستقرار كافية لوصف الواقع. إن الميل السائد لتحليل البيئة الأمنية بشكل خطي، عبر تحديد عدو رئيسي واحد وتنظيم الاستجابة حوله، أصبح محدودًا بشكل متزايد في ظل سياق يتسم بتعدد المخاطر وتفكك التحالفات وتآكل الأطر التنظيمية. لم يعد الأمن الأوروبي يُفهم فقط كمسألة ردع عسكري ضد طرف خارجي، بل كحصيلة تفاعلات معقدة بين عوامل جيوسياسية وديناميكيات داخلية وتحولات في النظام الدولي. وفي هذا السياق، فإن التبسيط التحليلي لا يُضعف التشخيص فحسب، بل يزيد أيضًا من خطر تبني استجابات استراتيجية غير ملائمة.
أحد العناصر الأساسية في هذا الواقع الجديد هو تزايد الغموض حول دور الولايات المتحدة كضامن للأمن في أوروبا. فقد استندت البنية العابرة للأطلسي لعقود إلى فرضية التزام مستقر وقابل للتنبؤ ومتوافق هيكليًا مع المصالح الأوروبية. غير أن تطور السياسة الخارجية الأمريكية مؤخرًا يشير إلى تحول نحو نهج أكثر براغماتية ومشروط، وأحيانًا ذو طابع تبادلي صريح. هذا التحول يُدخل عامل عدم استقرار يؤثر مباشرة على مصداقية آليات الدفاع الجماعي وعلى التماسك الاستراتيجي للمعسكر الغربي. لم يعد السؤال ما إذا كانت الولايات المتحدة ستبقى في أوروبا، بل في أي شروط، وبأي أولويات، وبأي منطق التزام. هذا الغموض بحد ذاته يشكل عامل خطر يستوجب إعادة التفكير في أسس الأمن الأوروبي.
في الوقت نفسه، يواجه القارة عددًا من الهشاشات الداخلية التي غالبًا ما يتم التقليل من شأنها في التحليلات التي تركز فقط على التهديدات الخارجية. إن تصاعد الاستقطاب السياسي، وصعود الحركات المتطرفة، وتراجع الثقة في المؤسسات، والتوترات الاجتماعية والاقتصادية، كلها تشكل بيئة تُضعف فيها التماسك الداخلي — وهو شرط أساسي لأي استراتيجية أمنية فعالة. هذه الديناميكيات لا تحد فقط من القدرة على مواجهة الأزمات الخارجية، بل قد تتحول إلى مصادر عدم استقرار بحد ذاتها.
في سياق تصبح فيه الشرعية السياسية والثقة الاجتماعية أكثر هشاشة، لم يعد الأمن مجرد مسألة قدرات عسكرية، بل بات يعتمد على قوة النسيج السياسي والاجتماعي. إن تجاهل هذا البعد يعني معالجة المشكلة من منظور ناقص.
وأخيرًا، فإن البيئة الاستراتيجية الأوروبية تتشكل من خلال تفاعل دائم بين ديناميكيات الفعل ورد الفعل التي تتجاوز أي سردية أحادية. فقد ساهم توسع الهياكل الأمنية، وإعادة توزيع القدرات العسكرية، والتنافس بين القوى الكبرى، والتراجع التدريجي لآليات ضبط التسلح، في خلق نظام أكثر تقلبًا وأقل قابلية للتنبؤ. في هذا السياق، تصبح تصورات التهديد بنفس أهمية التهديد ذاته، حيث تؤثر قرارات كل طرف بشكل مباشر على ردود أفعال الآخرين. والنتيجة هي معضلة أمنية يمكن فيها تفسير الإجراءات الدفاعية على أنها هجومية، مما يغذي دوامات من عدم الثقة والتصعيد. إن فهم هذه الديناميكيات ضروري لتجنب التشخيصات السطحية، ولتطوير استراتيجية أوروبية لا تكتفي برد الفعل، بل قادرة على الاستباق والإدارة طويلة المدى.
حدود السردية الأمنية المُتمحورة حول روسيا
يُقدم الخطاب السائد حول الأمن الأوروبي روسيا بشكل متزايد باعتبارها التهديد المركزي، بل شبه الوحيد، لاستقرار القارة. ورغم أن هذا الطرح يستند إلى وقائع حقيقية، خاصة غزو أوكرانيا، إلا أنه يحمل خطر التبسيط. فالتحليل الاستراتيجي لا يقتصر على تحديد التهديدات، بل يتطلب وضعها في سياق جيوسياسي أوسع. وبالتالي، فإن التركيز المفرط على روسيا قد يؤدي إلى سياسات منحرفة، خاصة عندما يُغفل عوامل أخرى لا تقل أهمية.
تعكس العديد من التقارير التحليلية الصادرة عن مؤسسات أوروبية هذه النزعة. فهي تضع روسيا في قلب بيئة أوروبية متدهورة، مع التركيز على الحرب الهجينة وإعادة التسلح واحتمالات التصعيد. ومع ذلك، تعترف هذه التقارير نفسها، دون دمج ذلك بشكل كامل في استنتاجاتها، بأن التماسك عبر الأطلسي آخذ في التراجع، وأن الأولويات الاستراتيجية الأمريكية تتحول بعيدًا عن أوروبا. هذا التناقض جوهري: فبنية أمنية مجزأة لا تمثل فقط نقطة ضعف يمكن لروسيا استغلالها، بل تُعد بحد ذاتها عاملًا هيكليًا لعدم الاستقرار.
تحليل أكثر توازنًا يبدأ بالاعتراف بأن انعدام الأمن الأوروبي الحالي هو نتيجة تحول هيكلي طويل الأمد، وليس نتيجة فعل طرف خارجي واحد. فمنذ نهاية الحرب الباردة، شهد النظام الأمني الأوروبي إعادة تشكيل مستمرة. وقد ساهم توسع حلف الناتو، وتآكل اتفاقيات الحد من التسلح، ونقل البنية التحتية العسكرية شرقًا، في خلق بيئة استراتيجية أكثر توترًا. هذه العوامل لا تبرر السلوك الروسي، لكنها تساعد في فهم السياق الذي يحدث فيه.
إن تجاهل هذا السياق الأوسع يؤدي إلى سردية أمنية مغلقة على ذاتها، يُفسَّر فيها السلوك الروسي فقط على أنه توسعي، بينما تُعتبر الأفعال الغربية بطبيعتها استقرارًا. هذا الإطار الثنائي ضعيف تحليليًا، إذ يُخفي وجود معضلة أمنية متبادلة، حيث يرى كل طرف الإجراءات الدفاعية للآخر كتهديد هجومي. إن استراتيجية أوروبية موثوقة يجب أن تتجاوز هذا التبسيط، وأن تعترف بأن بيئة المخاطر الحالية هي نتاج تفاعلات متعددة، بما في ذلك قرارات أوروبية نفسها.
توسع الناتو وإعادة تشكيل الأمن الأوروبي
يُعد توسع حلف شمال الأطلسي شرقًا أحد أبرز التطورات في أوروبا ما بعد الحرب الباردة. فمنذ عام 1999، انضم عدد كبير من دول أوروبا الوسطى والشرقية إلى الحلف، مؤخرًا مع انضمام فنلندا والسويد. ومن المنظور الغربي، يُقدَّم هذا التوسع على أنه خيار سيادي لدول تبحث عن ضمانات أمنية. أما من المنظور الروسي، فيُنظر إليه على أنه تمدد تدريجي داخل مجالها الاستراتيجي المباشر.
هذا التباين في التصورات ليس مجرد اختلاف خطابي، بل له آثار مادية ملموسة. فقد اقتربت بنية الناتو التحتية، بما في ذلك أنظمة الدفاع الصاروخي في رومانيا وبولندا، وانتشار القوات، والقدرات الجوية، بشكل ملحوظ من الحدود الروسية. ورغم أن هذه الإجراءات تُقدَّم كإجراءات دفاعية، فإنها تُغيّر ميزان القوى بشكل يؤثر على تصور التهديد لدى موسكو. فالاستقرار الاستراتيجي لا يعتمد فقط على النوايا المعلنة، بل أيضًا على القدرات وموقعها الجغرافي.
كما أدى تآكل نظام ضبط التسلح إلى تعميق هذه الديناميكيات. فقد أدى انهيار عدد من الاتفاقيات الرئيسية إلى غياب آليات الشفافية والقيود. ورغم تبرير هذه التطورات بتغيرات البيئة الاستراتيجية أو خروقات مزعومة، فإن أثرها التراكمي كان خلق نظام أقل تنظيمًا وأكثر غموضًا. اليوم، تعمل أوروبا في بيئة أكثر تقلبًا وأقل قابلية للتنبؤ مقارنة بما كانت عليه قبل عقدين.
في هذا السياق، يصبح تصوير روسيا كعامل عدم الاستقرار الوحيد أمرًا إشكاليًا. فالحقيقة أكثر تعقيدًا: أوروبا تعمل ضمن نظام أمني تشكل من خلال تفاعلات متبادلة. توسع الناتو، والتحول الاستراتيجي الأمريكي، والاستجابة العسكرية الروسية، كلها عناصر ضمن نفس العملية. إن تجاهل هذا الترابط يؤدي إلى سياسات تعالج النتائج دون الأسباب.
الولايات المتحدة كمتغير استراتيجي وليس كمعطى ثابت
من أبرز العناصر، وإن كان أقلها تحليلًا، في مشهد المخاطر الأوروبي هو التحول في السلوك الاستراتيجي للولايات المتحدة. فلطالما اعتُبرت واشنطن الركيزة الأساسية للأمن الأوروبي. إلا أن هذا الافتراض أصبح محل تساؤل. تشير التطورات الأخيرة إلى تحول نحو نهج أكثر تبادلية، وأحيانًا ضاغطًا، في إدارة التحالفات.
توضح التهديدات المتكررة بفرض ضغوط اقتصادية على الحلفاء الأوروبيين، أو التوترات المرتبطة بغرينلاند، هذا التحول. حتى عندما يتم التراجع عن هذه المواقف، فإن دلالتها تكمن في استعداد الولايات المتحدة لاستخدام أدوات الضغط لتحقيق مصالحها. هذا يضعف مبدأ التحالف القائم على القيم المشتركة والالتزامات المتبادلة. فإذا أصبحت الالتزامات الأمنية مشروطة، فإن مصداقية الدفاع الجماعي تتراجع.
إضافة إلى ذلك، تتغير أولويات الولايات المتحدة عالميًا. فالمنافسة مع الصين، والديناميكيات الداخلية، والاعتبارات الاقتصادية تعيد تشكيل سياستها الخارجية. لم تعد أوروبا محور الاهتمام كما كانت في السابق. وهذا يخلق حالة من عدم اليقين البنيوي.
بالنسبة لأوروبا، فإن الاعتماد على ضامن أمني تتغير أولوياته يمثل نقطة ضعف. الخطر لا يكمن فقط في التهديدات الخارجية، بل في الاعتماد المفرط على طرف قد تتباين مصالحه. لذلك يجب النظر إلى الولايات المتحدة كفاعل مستقل يمكن أن يعزز أو يضعف الأمن الأوروبي.
الهشاشة الداخلية الأوروبية: التهديد المُهمَل
في حين تهيمن التهديدات الخارجية على الخطاب السياسي، تمثل الديناميكيات الداخلية في أوروبا مخاطر لا تقل أهمية. فصعود اليمين المتطرف، وزيادة الاستقطاب، وتآكل المعايير الديمقراطية ليست ظواهر هامشية، بل عوامل هيكلية تؤثر مباشرة على الاستقرار.
تشير التطورات الأخيرة إلى تنامي وزن الأحزاب المتطرفة في عدة دول أوروبية، بعضها يشارك في الحكم أو يؤثر على السياسات العامة. وترتبط هذه التيارات غالبًا بخطابات قومية ومتشككة في الاتحاد الأوروبي، وأحيانًا ذات نزعة سلطوية. كما يزيد وجود شبكات عنيفة مرتبطة بهذه الأيديولوجيات من خطورة الوضع، خاصة في ظل التوترات الاجتماعية.
غالبًا ما يُقال إن روسيا تستغل هذه الانقسامات عبر حملات التأثير. ورغم صحة ذلك جزئيًا، إلا أن الجذور الأساسية لهذه الهشاشة داخلية. فالعوامل الخارجية تُضخم التوترات لكنها لا تخلقها. إن التركيز فقط على التدخل الخارجي قد يخفي المشكلات البنيوية.
لذلك، يجب أن تشمل الاستراتيجية الأمنية هذه الأبعاد الداخلية. فضعف الثقة في المؤسسات والانقسام السياسي يُضعف القدرة على الاستجابة للأزمات. وفي بعض الحالات، قد تشكل هذه الديناميكيات تهديدًا أكثر إلحاحًا من التهديدات العسكرية الخارجية.
نحو عقيدة أمنية أوروبية أكثر واقعية
لمواجهة التحديات الحالية، يجب على أوروبا التخلي عن الرؤى المبسطة واعتماد مقاربة أكثر تعقيدًا. يتطلب ذلك الاعتراف بأن التهديدات متعددة ومترابطة. فروسيا عنصر مهم، لكنها ليست العامل الوحيد.
أولًا، يجب تحقيق وضوح تحليلي وتجنب القراءات الثنائية المبسطة. ثانيًا، ينبغي معالجة التبعيات الهيكلية، خاصة الاعتماد على الولايات المتحدة، عبر تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية. ثالثًا، يجب تعزيز التماسك الداخلي عبر دعم المؤسسات وتقليل التفاوتات ومواجهة التطرف.
خلاصة القول، إن خريطة المخاطر في أوروبا أكثر تعقيدًا بكثير مما توحي به السردية المُتمحورة حول روسيا. فهي نتاج تفاعل بين عوامل خارجية وتحولات في التحالفات وديناميكيات داخلية. إن استراتيجية أمنية فعالة يجب أن تعكس هذا التعقيد، وإلا فإنها ستعيد إنتاج نقاط الضعف التي تسعى إلى معالجتها.
خليل صياد هيلاريو
المؤسس والرئيس التنفيذي – SAHCO Consulting
باريس، 08 أبريل 2026
امنح حياتك المهنية فرصة جديدة للحياة
متابعة وحدات الدورة التدريبية النظرية والعملية التي تثريها الملاحظات الحالية من الميدان




