Movement
Control
Resilience

Tabla de contenidos

المقالات

إيران وهرمجدون والعتبة النووية: عندما تتلاقى الحرب والنبوءة والاستراتيجية

اكتشف مقالاتنا

إيران وهرمجدون والعتبة النووية: عندما تتلاقى الحرب والنبوءة والاستراتيجية

في الوقت الذي تتحدى فيه الحرب ضد إيران الحسابات العسكرية الأولية وتهز الاقتصاد العالمي، بدأ مزيج مقلق من العقائد الاستراتيجية والضغوط السياسية والروايات الأخروية يؤثر في النقاش الدائر حول المدى الذي قد يصل إليه تصعيد الصراع.

نادرًا ما تتطور الحروب الحديثة وفقًا للخطط التي وضعها أولئك الذين أشعلوا فتيلها. وتؤكد المواجهة الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران هذه الحقيقة مرة أخرى؛ فما بدأ كعملية تهدف إلى تغيير التوازن الاستراتيجي الإقليمي تحول إلى أزمة ذات تداعيات اقتصادية وسياسية وأمنية تتجاوز حدود الشرق الأوسط بكثير.

لقد أثبتت إيران قدرتها على امتصاص الضغط العسكري مع فرض تكاليف باهظة على خصومها. وتتيح لها قدراتها الصاروخية وطائراتها المسيرة وشبكاتها الإقليمية والدعم التكنولوجي المقدم من قوى كبرى مثل الصين وروسيا ممارسة الضغط على جبهات متعددة في وقت واحد. وعلاوة على ذلك، فإن قدرتها على تعطيل طرق الطاقة الحيوية قد نقلت جزءًا من الصراع إلى قلب النظام الاقتصادي العالمي.

وباتت التداعيات ملموسة بالفعل في أسواق الطاقة والتجارة البحرية؛ حيث تحول مضيق هرمز والبحر الأحمر ومسارات الخليج إلى مناطق ذات مخاطر استراتيجية دائمة. كما ارتفعت أقساط التأمين البحري بشكل حاد، وبدأت سلاسل الإمداد اللوجستية العالمية في امتصاص صدمات منطقة تزداد اضطرابًا يومًا بعد يوم.

ومع استمرار الصراع دون أفق واضح للحل، ينتقل النقاش الاستراتيجي نحو سيناريوهات كانت تُعتبر حتى وقت قريب غير محتملة. ومن أبرز هذه السيناريوهات خطرٌ ظل لعقود طويلة مستبعدًا عن عمد من الخطاب العملياتي: إمكانية أن تتصاعد أزمة إقليمية لتصل إلى استخدام الأسلحة النووية.

وبالتوازي مع هذه الديناميات العسكرية، بدأ عامل آخر يحتل مساحة غير متوقعة في النقاش العام الأمريكي: تأثير الروايات الدينية في تفسير الصراع. إذ يرى تيار واسع من المسيحية الإنجيلية أن الصراعات في الشرق الأوسط جزء من تسلسل نبوئي يتوج بمعركة “هرمجدون”، وهي مواجهة نهائية كبرى يربطها العديد من أتباع هذا التيار بالدمار النووي الشامل.

وقد اكتسب هذا النقاش أبعادًا بالغة الحساسية عقب تقرير أعده الصحفي المستقل جوناثان لارسن، والذي أفاد بأن قائدًا لإحدى الوحدات القتالية الأمريكية صرّح أمام ضباط صف بأن الحرب ضد إيران تمثل جزءًا من “خطة الرب الإلهية”، مدعيًا أن الرئيس دونالد ترامب قد “مُسح من قِبل يسوع” لإطلاق معركة هرمجدون. وتعد الشكوى المقدمة أمام “مؤسسة الحرية الدينية العسكرية” واحدة من بين أكثر من 110 شكاوى سُجلت خلال 48 ساعة فقط، صادرة عن أكثر من 40 وحدة موزعة على 30 منشأة عسكرية على الأقل.

وقد أثارت هذه الوقائع قلقًا بالغًا في الأوساط السياسية والعسكرية، لأنها تشير إلى تغلغل خطاب أخروي في بيئات كانت تُحكم تقليديًا بالعقيدة الاستراتيجية الصارمة والانضباط المؤسسي.

النبوءة والسياسة والسلطة: ثقل التيار الإنجيلي في الولايات المتحدة

لا يمكن فهم دور هذه السرديات دون تحليل النفوذ السياسي للإنجيليين في الولايات المتحدة. إذ يفسر جزء كبير من الحركة الإنجيلية الأمريكية تاريخ العالم عبر عقيدة تُعرف باسم “اللاهوت التدبيري الأخروي”. ووفقًا لهذه الرؤية اللاهوتية، فإن عودة الشعب اليهودي إلى أرض إسرائيل والحروب الدائرة في الشرق الأوسط هي جزء من تسلسل نبوئي سيبلغ ذروته في حرب أخيرة: هرمجدون.

وفي العديد من التفسيرات المعاصرة، لا يُنظر إلى هذه الحرب على أنها مواجهة تقليدية، بل كارثة عالمية ذات دمار شامل. وفي هذا السياق، تُفسر الأسلحة النووية على أنها الأداة القادرة على إحداث مستوى الدمار الموصوف في النصوص القيامية. وهذا التفسير لا يعني بالضرورة أن المؤمنين به يسعون عمدًا لإحداث هذه النتيجة؛ غير أن الاقتناع بأن صراعًا بهذه الضخامة الكارثية حتميةٌ تاريخية لا مفر منها يمكن أن يؤثر بشكل ملموس في نظرة بعض الأوساط إلى الأزمات الجيوسياسية الراهنة.

ويعزز الموقع المركزي لإسرائيل في هذه الرواية من فاعلية هذه الدينامية؛ فوفق هذا اللاهوت، يعد وجود دولة إسرائيل والسيطرة اليهودية على القدس عنصرين جوهريين لتحقق النبوءات التوراتية. وتترتب على هذه القناعة عواقب سياسية ملموسة، فالتيار الإنجيلي يشكل إحدى الكتل الانتخابية الأكثر نفوذًا في الولايات المتحدة، وتؤثر قدرته التعبوية بشكل مباشر في الانتخابات الرئاسية والتشريعية وفي توجهات السياسة الخارجية الأمريكية ككل.

إسرائيل وعقيدة شمشون: الردع النووي

يضاف إلى هذا البُعد الأيديولوجي واقعٌ استراتيجي خضع لنقاشات واسعة بين المتخصصين: ما يُعرف بـ”عقيدة شمشون” في استراتيجية الأمن الإسرائيلي. ويعود هذا المصطلح إلى القصة التوراتية التي يهدم فيها شمشون المعبد على رأسه ورؤوس أعدائه؛ وفي القاموس الاستراتيجي المعاصر، يُستخدم المصطلح لوصف وضعية ردع قسوى: إذا بات وجود دولة إسرائيل مهددًا بشكل وجودي، فقد تلجأ البلاد إلى ترسانتها النووية كخيار أخير.

تتبع إسرائيل سياسة الغموض الاستراتيجي في ما يتعلق بقدراتها النووية. ومع ذلك، يجمع عدد كبير من الخبراء الدوليين على أن تل أبيب تمتلك ترسانة نووية عملياتية جاهزة. والهدف من هذا الموقف جلي: تعزيز الردع عبر إيصال رسالة واضحة بأن أي محاولة لتدمير دولة إسرائيل ستؤدي إلى رد انتقامي مدمر وساحق.

وفي خضم تصعيد إقليمي متسارع، يؤدي التفاعل بين عقائد الردع الوجودي والسرديات الأيديولوجية إلى مضاعفة التعقيد الاستراتيجي للأزمة القائمة.

عندما لا تسير الحرب وفق التوقعات

يُظهر التاريخ أن أشد الحروب خطورة هي تلك التي تمتد زمنيًا إلى ما وراء أهدافها الأولية. وفي النزاع الحالي، أظهرت طهران مرونة ملحوظة في امتصاص الهجمات العسكرية مع الحفاظ على قدرتها على إلحاق خسائر فادحة بخصومها؛ إذ تسمح شبكة حلفائها الإقليمية وترسانتها الصاروخية بالإبقاء على وتيرة ضغط مستمرة عبر جبهات عدة.

وإذا استمر الصراع دون تحقيق نتائج حاسمة، فإن مخاطر التصعيد ستزداد بصورة حتمية. وعندما يستشعر القادة أن التوازن الاستراتيجي يميل ضدهم أو أن الكلفة السياسية للحرب أصبحت غير قابلة للاحتمال، فإن الخيارات التي صُممت أساسًا كأدوات ردع قد تبدأ في التحول إلى طاولات التخطيط العملياتي. وفي هذا الإطار بالتحديد، بدأت مسألة العتبة النووية تطرق أبواب التحليلات الاستراتيجية المعاصرة.

ماذا يعني تجاوز العتبة النووية؟

على الرغم من أن اللجوء إلى السلاح النووي يظل حتى اللحظة سيناريو افتراضيًا، إلا أن عواقبه ستكون فورية وهيكلية وعالمية النطاق.

على المستوى الإقليمي، من شأن توجيه ضربة نووية ضد إيران أن يشعل ردًا عسكريًا شاملًا؛ حيث سترد إيران وحلفاؤها بهجمات كاسحة ضد إسرائيل والقواعد الأمريكية والأهداف الاستراتيجية في منطقة الخليج. وستكون التداعيات الإنسانية كارثية، غير أن التقدير الدقيق لحجم الدمار وأعداد الضحايا يظل أمرًا بالغ الصعوبة نظرًا لعدم معرفة نوع الرأس النووي المستخدم أو طبيعة الهدف المحدد. وقد تواجه المدن المستهدفة دمارًا هائلًا، وانهيارًا تامًا في المنظومات الصحية، ونزوحًا سكانيًا واسع النطاق، فضلًا عن تدمير البنى التحتية للطاقة والخدمات اللوجستية في المنطقة بأسرها.

وعلى الصعيد الاقتصادي، ستكون التداعيات فورية؛ إذ سيؤدي الإغلاق أو التعطل الطويل لمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من نفط العالم، إلى أزمة طاقة عالمية خانقة، لترتفع أسعار النفط والغاز إلى مستويات قياسية متسببة في ركود اقتصادي دولي غير مسبوق.

أما بالنسبة إلى القطاع الخاص الدولي، فسيكون الأثر مدمرًا؛ حيث ستواجه شركات الطاقة واللوجستيات والتمويل والبنية التحتية العاملة في الشرق الأوسط عمليات إجلاء واسعة لموظفيها، وتجميدًا فوريًا لعملياتها، وخسائر مالية فادحة، إلى جانب اضطراب مطول في سلاسل التوريد العالمية.

رد فعل القوى الإقليمية والدولية

سيثير أي استخدام للسلاح النووي في الشرق الأوسط ردود فعل فورية من القوى الإقليمية والدولية الأخرى.

فـ باكستان، الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك سلاحًا نوويًا، ستواجه ضغوطًا سياسية داخلية وإقليمية استثنائية. واحتمال انجرار إسلام آباد إلى الأزمة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، سيضفي بُعدًا نوويًا إضافيًا وبالغ التعقيد على المشهد.

كما ستجد كل من روسيا والصين، بوصفهما قوتين نوويتين ولاعبين محوريين في التوازن الاستراتيجي العالمي، نفسيهما مضطرتين للرد دبلوماسيًا وربما عسكريًا أمام تصعيد نووي في منطقة ترتكز عليها استدامة أمن الطاقة العالمي.

أما القوى الأوروبية، المعتمدة بشدة على واردات الطاقة من الخليج، فستصطدم بأزمة اقتصادية وأمنية فورية؛ وسيتعين على الاتحاد الأوروبي التعامل في آن واحد مع أزمة طاقة خانقة، وموجات نزوح ولجوء محتملة، وتدهور حاد في منظومة الأمن الدولي.

وسيكون الأثر النفسي على النظام الدولي على نفس القدر من الخطورة؛ إذ إن استخدام السلاح النووي سيكسر المحرّم الاستراتيجي الصامد منذ عام 1945، مما يغير بشكل جذري المفاهيم العالمية للاستقرار والردع النووي.

اللحظة الاستراتيجية الأكثر خطورة

تقف الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران اليوم عند تقاطع بالغ الحساسية يجمع بين التخطيط العسكري والتنافس الإقليمي والسرديات الأيديولوجية. ورغم أن عقائد الردع النووي صُممت أصلًا لمنع استخدام هذه الأسلحة، فإن استمرار الصراعات وانهيار الحسابات الاستراتيجية قد يولدان ضغوطًا سياسية ونفسية تدفع الفاعلين نحو اتخاذ قرارات أكثر تطرفًا.

وفي حرب باتت تُعيد تشكيل توازنات الطاقة والأمن الجيوسياسي الدولي، لم يعد التحدي الجوهري عسكريًا فحسب؛ فالسؤال الحقيقي لم يعد يدور حول هوية المنتصر، بل حول ما إذا كان النظام الدولي قادرًا على منع هذا الصراع من التحول إلى أول حرب نووية في القرن الحادي والعشرين، وربما الأخيرة.

خليل صيّاد هيلاريو
المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة SAHCO Consulting
مدريد، 7 مارس 2026

اتصل بـ SAHCO

لمعرفة المزيد عن خبراتنا وكيفية تنفيذ مهامنا.

اتصل بنا
شاهد جميع دوراتنا التدريبية
اكتشف خدماتنا

امنح حياتك المهنية فرصة جديدة للحياة

متابعة وحدات الدورة التدريبية النظرية والعملية التي تثريها الملاحظات الحالية من الميدان.

طلب كتيب
طلب عرض أسعار

اكتشف خدماتنا الأخرى

حفظة السلام التابعون للأمم المتحدة بالقرب من مركبات مدرعة في منطقة حضرية.

الاستشارات الاستراتيجية والعملياتية في الميدان

اكتشف الخدمة

مجموعة من الأشخاص يجلسون على مقاعد.

تقييم الاحتياجات في الظروف الهشة واحتياجات الانطلاق

اكتشف الخدمة

مجموعة من الأشخاص مجتمعين حول حفرة كبيرة في الأرض.

الخدمات اللوجستية الإنسانية

اكتشف الخدمة