هل إيران في طريقها إلى كسب الحرب؟

اكتشف دوراتنا

هل إيران في طريقها إلى كسب الحرب؟

من العمليات السرية الموثقة إلى الهجمات الأخيرة التي لا تزال الجهة المسؤولة عنها موضع نزاع، أصبحت اتهامات العمليات ذات الراية الكاذبة جزءًا متزايدًا من الصراع المعاصر. فعمليات تخريب البنى التحتية للطاقة، والحوادث العسكرية، وهجمات الطائرات المسيّرة، توضح كيف يمكن أن يتحول إسناد العنف إلى سلاح استراتيجي. وفي سياق التوترات بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائها، يمكن للرواية المتعلقة بمن يتحمل مسؤولية الهجوم أن تكون مؤثرة بقدر الحدث نفسه.

في التحليل الاستراتيجي والاستخباراتي، تُعرَّف العملية ذات الراية الكاذبة بأنها عمل سري، غالبًا ما تنفذه أجهزة استخبارات، صُمم ليبدو كما لو أنه نُفذ من قبل جهة تختلف عن الفاعل الحقيقي. ويعود أصل المصطلح إلى الحروب البحرية، حيث كانت السفن ترفع مؤقتًا علم العدو لخداع الخصم. وفي السياق الجيوسياسي المعاصر، اتسع المفهوم ليشمل أعمال التخريب، والاستفزازات العسكرية، والهجمات، وعمليات المعلومات المنظمة التي تهدف إلى إخفاء الجهة الحقيقية المنفذة للهجوم وتوجيه المسؤولية إلى طرف ثالث.

وتكمن الأهمية الاستراتيجية لهذه العمليات أقل في الأضرار المادية التي تسببها، وأكثر في الأثر السياسي الناتج عن إسناد الهجوم. فعندما يُنظر إلى حادث ما على أنه من فعل خصم، فقد يؤدي ذلك إلى ردود فعل سياسية واجتماعية تسهّل أعمال الانتقام أو التصعيد العسكري أو اتخاذ قرارات دبلوماسية واسعة النطاق. وبسبب طبيعتها القائمة على الخداع تحديدًا، فإن تحديد ما إذا كانت هناك عملية ذات راية كاذبة يتطلب معايير إثبات صارمة للغاية. ولهذا السبب، يميز التحليل المتخصص بين العمليات الموثقة، والخطط التي لم تُنفذ، والحوادث التاريخية المختلف حولها، والوقائع المعاصرة التي لا تزال مسؤوليتها محل جدل. ويُعد هذا التمييز ضروريًا للفصل بين التحليل الدقيق والتكهنات.

الهدف الاستراتيجي والمنطق السياسي

تعمل العمليات ذات الراية الكاذبة أساسًا كأدوات للتلاعب بالسردية. ويتمثل هدفها في التأثير على التفسير السياسي لمسؤولية حدث حاسم. وبهذا المعنى، فهي تقع عند تقاطع عمليات الاستخبارات، والحرب النفسية، والاستراتيجية الدبلوماسية.

ومن أكثر الأهداف شيوعًا خلق ذريعة للحرب، أي تبرير سياسي لبدء عمل عسكري أو توسيعه. فإذا بدا أن هجومًا ما قد نفذه خصم، فقد تتمكن الحكومات من الحصول على دعم داخلي ودولي للرد العسكري، وهو ما قد يواجه بخلاف ذلك مقاومة سياسية.

ويتمثل هدف آخر في التأثير على التحالفات والإدراك الدولي. فتصوير دولة منافسة على أنها عدوانية أو مزعزعة للاستقرار قد يدفع دولًا محايدة أو حليفة إلى تبني موقف أكثر تصادمية. وفي الصراعات المعاصرة، حيث تؤدي التحالفات والرأي العام دورًا حاسمًا، قد يكون إدراك المسؤولية عن الهجوم مؤثرًا بقدر الهجوم نفسه.

حالة مؤكدة في إسرائيل: قضية لافون (1954)

من أوضح الأمثلة الموثقة على عملية ذات راية كاذبة مرتبطة بإسرائيل ما يُعرف بقضية لافون، أو “عملية سوزانا”، التي نُفذت في مصر عام 1954. فقد نظمت الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية شبكة سرية تألفت في معظمها من يهود مصريين كُلفوا بزرع متفجرات في أماكن مرتبطة بالمصالح البريطانية والأميركية، مثل دور السينما والمكتبات والمراكز الثقافية.

وقد صُممت العبوات لتنفجر بعد ساعات الإغلاق، بهدف التسبب في عدد قليل من الضحايا أو عدم التسبب بأي قتلى، مع خلق انطباع بوجود موجة هجمات ضد مؤسسات غربية. وكان المقصود إسناد هذه الأعمال إلى جماعات قومية مصرية أو منظمات شيوعية، بما يضعف الثقة الدولية في الحكومة المصرية.

وكان الهدف الاستراتيجي الأوسع يتمثل في التأثير على السياسة البريطانية بشأن سحب القوات من قناة السويس. وقد فشلت الخطة عندما انفجرت إحدى العبوات قبل الوقت المحدد عن طريق الخطأ، ما أدى إلى مقتل أربعة من اليهود المصريين المتورطين والمجنّدين من قبل الموساد، وهو ما ساعد السلطات المصرية على تفكيك الشبكة. وكشفت المحاكمات العلنية التي بدأت في ديسمبر/كانون الأول 1954 الأصل الحقيقي للعملية، وأثارت أزمة سياسية خطيرة في إسرائيل، مما جعل قضية لافون أحد الأمثلة القليلة الموثقة على العمليات ذات الراية الكاذبة في التاريخ الحديث.

التخطيط الاستراتيجي الأميركي: عملية نورثوودز (1962)

ورغم أن الولايات المتحدة لا ترتبط بعملية حديثة مؤكدة ذات راية كاذبة يمكن مقارنتها بقضية لافون، فإن وثائق الحرب الباردة التي رُفعت عنها السرية تُظهر أن المخططين العسكريين الأميركيين فكروا في مثل هذه التكتيكات. ومن أبرز الأمثلة على ذلك عملية نورثوودز، وهي سلسلة من المقترحات التي أعدتها هيئة الأركان المشتركة عام 1962 في فترة شهدت توترًا شديدًا بين واشنطن وكوبا.

وشملت المقترحات أعمالًا خداعية مختلفة تهدف إلى خلق دعم شعبي لتدخل عسكري ضد الحكومة الكوبية. ومن بين الأفكار المطروحة حوادث مفبركة أو هجمات مختلقة يمكن نسبها إلى السلطات الكوبية.

وقد رفض الرئيس جون إف. كينيدي الخطة، ولم تُنفذ مطلقًا. غير أن وجود عملية نورثوودز يثبت أن المنطق الاستراتيجي للاستفزازات السرية كان محل نظر داخل دوائر التخطيط العسكري خلال الحرب الباردة.

حادثة السفينة يو إس إس ليبرتي (8 يونيو/حزيران 1967)

ومن الوقائع الأخرى التي كثيرًا ما تُذكر في النقاشات المتعلقة بإسرائيل والولايات المتحدة، الهجوم على السفينة الأميركية الاستخباراتية “يو إس إس ليبرتي” في 8 يونيو/حزيران 1967 خلال حرب الأيام الستة. فقد هاجمت طائرات وسفن إسرائيلية السفينة الأميركية في شرق البحر المتوسط. وأسفر الهجوم عن مقتل أربعة وثلاثين من أفراد الطاقم الأميركي وإصابة أكثر من مئة وسبعين آخرين. وخلصت التحقيقات الرسمية التي أجرتها كل من إسرائيل والولايات المتحدة إلى أن الحادثة كانت نتيجة خطأ في تحديد الهوية في ظروف القتال، حيث جرى الخلط بين السفينة وسفينة مصرية.

وعلى الرغم من هذه الاستنتاجات، ظلت الحادثة موضع جدل لعقود. فقد صرح بعض الناجين من أفراد الطاقم بأن السفينة كانت تحمل علامات تعريف واضحة، وأن العلم الأميركي كان ظاهرًا بوضوح. ومن بينهم المقدم البحري ديفيد لويس، ضابط الاتصالات على متن السفينة، الذي صرح علنًا بأنه، بحسب رأيه، كانت القوات الإسرائيلية تعلم يقينًا أن السفينة أميركية وقت الهجوم. وقد غذّت هذه التصريحات الجدل التاريخي بشأن ما حدث.

وعلى المستوى التحليلي، طرح بعض المعلقين احتمال أن يكون الهجوم، إن كان متعمدًا، قد هدف إلى منع الولايات المتحدة من اعتراض اتصالات حساسة أو إلى الحد من الرؤية الدولية لبعض العمليات العسكرية الجارية على الجبهة المصرية. كما ذهبت تفسيرات أخرى إلى أن حادثًا بهذا الحجم ربما كان سيولد ضغطًا سياسيًا في واشنطن من أجل انخراط مباشر أكبر في النزاع الإقليمي. ومع ذلك، لم تؤكد التحقيقات الرسمية هذه الفرضيات. وحتى اليوم، لم يخلص أي تحقيق رسمي إلى أن الحادثة شكّلت عملية ذات راية كاذبة، ولا تزال تُحلل بوصفها حالة معقدة ضمن سياق العمليات العسكرية زمن الحرب.

تفجيرات خط أنابيب نورد ستريم (26 سبتمبر/أيلول 2022)

في 26 سبتمبر/أيلول 2022، ألحقت عدة انفجارات تحت الماء أضرارًا جسيمة بخطي أنابيب الغاز “نورد ستريم” اللذين كانا ينقلان الغاز الطبيعي من روسيا إلى ألمانيا عبر بحر البلطيق. ووقعت التفجيرات في مياه قريبة من المناطق الاقتصادية الخالصة لكل من الدنمارك والسويد، ما تسبب في تسربات غاز كبيرة ظهرت على سطح البحر. وقد وقع الحادث في سياق توترات جيوسياسية شديدة أعقبت الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير/شباط من العام نفسه، وأثار قلقًا دوليًا فوريًا بشأن أمن البنى التحتية للطاقة تحت البحر.

وقد فتحت السلطات في ألمانيا والسويد والدنمارك تحقيقات تقنية خلصت إلى أن الأضرار كانت نتيجة عمل تخريبي متعمد باستخدام متفجرات وُضعت على البنية التحتية. وأشارت التقييمات الزلزالية وعمليات التفتيش تحت الماء إلى أن التفجيرات نُفذت بدقة في عدة نقاط من الأنابيب.

ونظرًا إلى مستوى التخطيط والقدرات التقنية اللازمة لتنفيذ عملية من هذا النوع في مياه عميقة، رأى العديد من المحللين أن من المرجح أن يكون المنفذون قد امتلكوا موارد متقدمة، وهو ما قاد، في النقاش العام، إلى طرح احتمال تورط جهات دولية أو فرق مدعومة من دول. ولا تزال مسؤولية التخريب موضع نقاش دولي، رغم أن كل الدلائل تشير إلى أجهزة الاستخبارات الأميركية (CIA). وقد أشار عدد من المحللين إلى أن تدمير هذه البنية التحتية، من منظور جيوسياسي، أفاد على الأرجح عدة أطراف من خلال قطع الإمداد المباشر للغاز الروسي إلى ألمانيا بشكل نهائي وتسريع إعادة تشكيل سوق الطاقة الأوروبية.

وفي النقاش العام، طُرحت فرضيات مختلفة تتهم دولًا أو مجموعات تشغيلية متنوعة، استنادًا إلى دوافع استراتيجية محتملة لكل منها. ومع ذلك، وحتى الآن، لم تُسند التحقيقات الرسمية المسؤولية علنًا إلى طرف محدد، ولا تزال هذه الواقعة واحدة من أكثر حالات تخريب الطاقة إثارة للجدل في الجيوسياسة المعاصرة.

الهجوم على المصفاة السعودية خلال الصراع
إيران–الولايات المتحدة/إسرائيل (2 مارس/آذار 2026)

خلال التصعيد العسكري بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل الذي بدأ بهجمات على أهداف إيرانية في 28 فبراير/شباط 2026، أصبحت البنية التحتية للطاقة في الخليج العربي جزءًا سريعًا من الصراع. وفي 2 مارس/آذار 2026، هاجمت عدة طائرات مسيّرة مصفاة رأس تنورة في السعودية، وهي واحدة من أهم المنشآت النفطية في العالم ونقطة حيوية في نظام الطاقة العالمي.

وقد تسبب الهجوم في اندلاع حرائق وأجبر المصفاة على تعليق عملياتها مؤقتًا. وأشارت التقييمات الأولية الصادرة عن سلطات إقليمية وعدة وسائل إعلام دولية إلى أن الطائرات المسيّرة المستخدمة قد تكون إيرانية المنشأ أو مشتقة من تكنولوجيا إيرانية. وبالتوازي مع الحادث، قام السيناتور الأميركي ليندسي غراهام، المعروف بقربه من الرئيس دونالد ترامب، بنشاط سياسي وإعلامي مكثف في واشنطن، حيث أدلى بتصريحات علنية دعا فيها إلى رد حازم على إيران وطالب السعودية بالمشاركة الفعلية في الجهد العسكري ضد طهران.

ونفت السلطات الإيرانية مسؤوليتها عن الهجوم ورفضت الاتهامات باستهداف المصفاة السعودية. وأكد مسؤولون إيرانيون أن السردية التي تنسب الهجوم إلى طهران يتم توظيفها سياسيًا في سياق الصراع الإقليمي. وكما في حوادث أخرى وقعت خلال الحرب، غذت الروايات المتضاربة حول مسؤولية الهجوم النقاشات بشأن الإسناد وإمكانية وجود تفسيرات متلاعب بها في زمن الحرب، ولا سيما عندما يكون للأحداث القدرة على التأثير في القرارات الاستراتيجية وفي توسيع التحالفات العسكرية داخل النزاع.

حادثة الصاروخ الذي أصاب تركيا (مارس/آذار 2026)

وثمة واقعة أخرى تُظهر تعقيد مسألة الإسناد، حين تأثرت تركيا بصاروخ خلال التوترات الإقليمية في عام 2026. إذ أعلنت السلطات التركية أن صاروخًا باليستيًا أُطلق، على ما يُعتقد، من الأراضي الإيرانية قد اعترضته أنظمة الدفاع الجوي.

ونفى مسؤولون إيرانيون إطلاق الصاروخ ورفضوا الاتهامات. وبما أن تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، فقد أثار الحادث قلقًا دوليًا من احتمال تصعيد قد يورط الحلف. وفي هذا السياق، أشار بعض المحللين إلى أن مثل هذه الحوادث يمكن، نظريًا، استخدامها لتبرير مواجهة أوسع ضد إيران.

هجوم الطائرة المسيّرة على قاعدة سلاح الجو الملكي البريطاني في أكروتيري (مارس/آذار 2026)

خلال تصعيد الصراع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل في أوائل مارس/آذار 2026، أصابت طائرة مسيّرة محيط قاعدة “راف أكروتيري” الجوية البريطانية الواقعة في جزيرة قبرص، والتي تُستخدم كأحد أهم المراكز التشغيلية للمملكة المتحدة في شرق البحر المتوسط. وقد وقع الحادث في الأيام الأولى من التوسع الإقليمي للصراع الذي بدأ بعد الهجمات على أهداف إيرانية في 28 فبراير/شباط 2026، في وقت كانت فيه المنطقة كلها تشهد توترًا عسكريًا شديدًا.

وفي الساعات التي أعقبت الهجوم، أشارت عدة تقارير أولية إلى احتمال ارتباط الطائرة المسيّرة بقوات إيرانية أو بجماعات حليفة لإيران في الشرق الأوسط. غير أن الحكومة البريطانية أصدرت بيانًا رسميًا في 2 مارس/آذار 2026 أوضحت فيه أن التقييمات الأولية لأجهزتها الدفاعية أفادت بأن الطائرة المسيّرة لم تُطلق من الأراضي الإيرانية. وقد كان لهذا التفصيل أهمية كبيرة، إذ وضع نقطة الانطلاق المحتملة داخل شرق البحر المتوسط وليس داخل الأراضي الإيرانية.

وأشارت التقييمات الجغرافية والعملياتية إلى أنه، ضمن ذلك المحيط الإقليمي المباشر، كانت إسرائيل الدولة الوحيدة في شرق البحر المتوسط التي يمكن لطائرة مسيّرة من هذا النوع أن تنطلق منها لتصل إلى منطقة قبرص. ومع ذلك، وفي وقت صدور البيانات الرسمية، لم تُسند السلطات البريطانية المسؤولية علنًا إلى أي طرف محدد، مؤكدة أن التحقيقات لا تزال جارية.

الهجوم على قاعدة دييغو غارسيا وحدود الإسناد (21 مارس/آذار 2026)

في 21 مارس/آذار 2026، أشارت تقارير مختلفة إلى أن إيران أطلقت صواريخ باتجاه القاعدة العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة في دييغو غارسيا، وهي منشأة استراتيجية تقع في المحيط الهندي وتشكل عنصرًا أساسيًا للعمليات الغربية في الشرق الأوسط وآسيا. ووفقًا للمعطيات المتاحة، لم يصب أي من الصواريخ هدفه: فقد فشل أحدها أثناء التحليق، واعترضت أنظمة الدفاع الصاروخ الآخر. وبالتالي، لم يكن للحادث أي أثر عسكري مباشر، لكنه حظي بأثر سياسي وإعلامي كبير في سياق التصعيد الإقليمي الذي بدأ قبل أسابيع.

ومن الناحية التقنية، يطرح الحادث تساؤلات مهمة. إذ تُقدّر المسافة بين إيران ودييغو غارسيا بنحو 3,800 إلى 4,000 كيلومتر، وهو ما يتجاوز المدى العملياتي المعروف لمعظم الصواريخ الباليستية الإيرانية الموثقة علنًا. ويُدخل هذا التفاوت بين القدرات المعروفة والمدى المنسوب عنصرًا من عدم اليقين التحليلي، ويفتح الباب أمام تفسيرات مختلفة، تتراوح بين احتمالات تطور تكنولوجي غير معلن، أو أخطاء أو عدم دقة في الإسناد الأولي للهجوم.

وتعزز طبيعة الهجوم هذا الغموض. فغياب أي إصابات فعلية يوحي بأن الهدف الرئيسي لم يكن إحداث ضرر عسكري مباشر، بل إرسال إشارة استراتيجية. وفي الصراعات المعاصرة، تُستخدم مثل هذه الأفعال ذات الأثر التكتيكي المحدود والقيمة الرمزية العالية للتأثير على التصورات، أو إظهار القدرة، أو تبرير مواقف سياسية. وبهذا المعنى، تنسجم الحادثة مع أنماط يكتسب فيها البعد السردي وزنًا مماثلًا للبعد العملياتي. وفي المقابل، نفت السلطات الإيرانية أي تورط لها في هذا الحادث وفي حوادث أخرى نُسبت إليها خلال الصراع، مما يضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى تفسير القضية. ففي بيئات الحرب الهجينة، غالبًا ما تكون مسؤولية الإسناد محل نزاع، مع روايات متناقضة تحركها المصالح الاستراتيجية بقدر ما تحكمها حدود المعلومات المتاحة في الزمن الحقيقي.

وفي هذا السياق، يمكن تحليل واقعة دييغو غارسيا باعتبارها مثالًا تمثيليًا لديناميكيات الإسناد المعاصرة في النزاعات عالية الحدة. ومن دون وجود أدلة قاطعة تسمح بتصنيفها كعملية ذات راية كاذبة، فإن الجمع بين الشكوك التقنية، وغياب الأثر العسكري، والعائد السياسي المرتفع للحادث، يوضح كيف يمكن لتفسير الوقائع في الجيوسياسة الراهنة أن يكون حاسمًا بقدر الوقائع نفسها.

هل هي مصادفة أم نذير مسبق؟

في سياق التوترات الدولية الناجمة عن الصراع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل في عام 2026، عززت السلطات الأميركية إجراءات المراقبة تحسبًا لتهديدات محتملة داخل الأراضي الوطنية. وأشارت تقارير أمنية صادرة عن وكالات فدرالية إلى وجود مخاوف من احتمال وقوع هجمات باستخدام طائرات مسيّرة ذات طابع عسكري، مشابهة لتلك المستخدمة في عدة ساحات نزاع في الشرق الأوسط. ومن بين الأنظمة التي ورد ذكرها في التحليلات الأمنية طائرات من طراز “شاهد 136”، التي استُخدمت في عدة صراعات حديثة والمعروفة بقدرتها على المدى البعيد وانخفاض كلفتها التشغيلية.

وفي هذا السياق، أشارت تقارير استندت إليها السلطات الأميركية إلى أن شركة في قطاع الصناعات العسكرية أعادت إنتاج نموذج طائرة مسيّرة مشابه لطراز “شاهد” لأغراض الدراسة وتقييم الدفاع. وكان الهدف من هذه الاختبارات تحليل قدرات هذه الأنظمة وتطوير تدابير مضادة تكنولوجية لرصد أو اعتراض الهجمات المحتملة. وتأتي هذه التحذيرات بالتوازي مع حوادث أمن داخلي أثارت قلقًا داخل الأوساط العسكرية. ومن أبرزها سرقة أربع طائرات مسيّرة عسكرية من قاعدة فورت كامبل بين يومي 21 و24 نوفمبر/تشرين الثاني، وهي قضية يحقق فيها الجيش الأميركي حاليًا. وقد أشارت السلطات العسكرية إلى أن الطائرات اختفت خلال تلك الفترة من المنشأة الواقعة على الحدود بين كنتاكي وتينيسي، وهي واحدة من أهم قواعد الجيش الأميركي. كما طلب المحققون العسكريون مساعدة الجمهور لكشف ملابسات الحادث، وعرضوا مكافأة قدرها 5,000 دولار مقابل أي معلومات تؤدي إلى استعادة المعدات أو تحديد المسؤولين عن سرقتها.

وبالتوازي مع هذه التحذيرات، أدلى الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب مؤخرًا بتصريحات علنية أشار فيها إلى خطر احتمال وقوع هجوم داخل الأراضي الأميركية. وقال في تعليقاته إن هناك “خلايا نائمة” ذات أصل إيراني قد تكون بصدد الإعداد لهجوم في ولاية كاليفورنيا. ووفقًا لتصريحاته، فإن السلطات الأميركية حددت هوية هؤلاء الأفراد وتقوم بتتبعهم ومراقبتهم عن كثب.

وفي مشهد يتسم بتصاعد التوتر الدولي وبقرارات سياسية تدفع نحو مزيد من الانخراط العسكري في المنطقة، تكتسب هذه الديناميكيات بُعدًا إضافيًا. وتعكس استطلاعات حديثة في الولايات المتحدة رفضًا واضحًا من الرأي العام لتدخلات عسكرية مطولة جديدة، بما في ذلك لدى قطاعات كانت تقليديًا أقرب إلى المواقف الأمنية الأكثر تشددًا. وفي هذا السياق، نحذر، نحن المحللين، من أن أي حادث خطير داخل الأراضي الوطنية، ولا سيما إذا كانت مسؤوليته غامضة في البداية، قد يؤثر بشكل حاسم في الرأي العام…

خليل صياد هيلاريو
المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة SAHCO Consulting
باريس، 23 مارس/آذار 2026

اتصل بـ SAHCO

لمعرفة المزيد عن خبراتنا وكيفية تنفيذ مهامنا.

اتصل بنا

امنح حياتك المهنية فرصة جديدة للحياة

متابعة وحدات الدورة التدريبية النظرية والعملية التي تثريها الملاحظات الحالية من الميدان

اكتشف مقالاتنا الأخرى

UN peacekeepers in blue helmets near armored vehicles marked "UN" in an urban area, representing a peacekeeping mission.

Conseils stratégiques et opérationnels sur le terrain

Group of people, presumably men and women, sitting on benches. The context suggests that they are people of African descent.

Evaluation des besoins en situation précaires et des besoins de départ

Group of people, including adults and children, gathered around a large hole in the ground, which could be a well under construction, an artisanal mine, or an excavation site.

Logistique humanitaire

تابع أخبارنا

اشترك في النشرة الإخبارية