
لم يعد الصراع المفتوح بين الولايات المتحدة وإيران مجرد احتمال نظري، بل أصبح واقعًا يتشكل تدريجيًا. إن اندلاعه لا يعكس قناعة استراتيجية مشتركة بجدوى الحرب، بل هو نتيجة الاستنزاف التدريجي للآليات السياسية والدبلوماسية التي كانت، لسنوات طويلة، تحتوي التصعيد. لقد حدث الانتقال من الردع إلى المواجهة ليس نتيجة قرار منفرد، بل بفعل تراكم الضغوط السياسية وتوقعات الحلفاء وديناميكيات المصداقية التي، بمجرد تجاوز عتبات معينة، قلّصت بشكل كبير هامش المناورة.
حتى بداية الأعمال القتالية، كان النقاش العام يميل إلى تقديم المواجهة على أنها مسألة اختيار تقديري: الهجوم أو عدم الهجوم، الرد أو ضبط النفس. لكن اندلاع الصراع كشف حدود هذا التصور. فعندما تصبح المصداقية الاستراتيجية والسياسة الداخلية وتصورات الالتزام تجاه الحلفاء هي العوامل المهيمنة في الحسابات، تتوقف الخيارات المتاحة عن أن تكون طوعية بالكامل. عندها يصبح العمل العسكري أقل تعبيرًا عن اختيار استراتيجي، وأكثر نتيجة لمنطق الحتمية السياسية.
إن بداية الصراع تؤكد حقيقة غير مريحة: فبمجرد تفعيل التصعيد، لا تختفي العقلانية، لكنها تعمل ضمن إطار أكثر ضيقًا بكثير. فصانعو القرار يتحركون تحت ضغط إظهار الحزم، وتجنب إشارات الضعف، والاستجابة لتوقعات خارجية، حتى عندما يكونون مدركين تمامًا للمخاطر المرتبطة بذلك. في هذا السياق، لا تبدأ الحرب لأن من المتوقع أن تكون قصيرة أو قابلة للسيطرة أو حاسمة، بل لأن التكلفة السياسية لعدم التحرك أصبحت تُنظر إليها على أنها أعلى من مخاطر التحرك.
هذا التحول من حساب استراتيجي إلى حساب سياسي في المقام الأول يحدد نبرة الصراع منذ بدايته. فبدلًا من أن يكون مواجهة مصممة لتحقيق أهداف عسكرية محددة بوضوح، تظهر المواجهة كعملية تصعيد تآكلت فيها مخارج الدبلوماسية حتى قبل أن تحدد العمليات العسكرية توازنًا جديدًا.
الدافع السياسي واختفاء مخارج الحلول الدبلوماسية
أحد أكثر الجوانب المزعزعة للاستقرار في المواجهة الحالية هو أن الضغط نحو التصعيد أصبح سياسيًا أكثر منه استراتيجيًا، سواء في واشنطن أو في طهران. فالمطالب التي يعبّر عنها علنًا القادة السياسيون في الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، إلى جانب السرديات الأخلاقية والتكاليف المرتبطة بالسمعة، قد قلّصت هامش التسوية.
عندما تُصاغ الأهداف السياسية بصيغة مطلقة، خاصة في القضايا المرتبطة ببقاء النظام في إيران أو الأمن القومي لإسرائيل أو مصداقية الردع الأمريكية، تصبح المفاوضات الدبلوماسية محفوفة بالمخاطر السياسية. إذ يمكن تصوير أي تنازل، داخليًا أو من قبل حلفاء إقليميين مثل المملكة العربية السعودية أو الإمارات العربية المتحدة، على أنه علامة ضعف. ونتيجة لذلك، قد تتحول الدبلوماسية إلى ممارسة استعراضية: أداة لإظهار الحزم أكثر من كونها وسيلة للتوصل إلى اتفاقات جوهرية.
تخلق هذه الديناميكية ما يُعرف بـ «فخ الالتزام». فالقادة في الولايات المتحدة وإيران يواجهون خيارين غير جذابين: اللجوء إلى القوة وتحمل مخاطر التصعيد الإقليمي، أو الامتناع عن ذلك وقبول تكاليف سياسية وسمعية داخلية وخارجية.
العامل الحاسم هنا ليس أي الخيارين أكثر عقلانية من الناحية الاستراتيجية، بل أيهما أقل تكلفة في الحساب السياسي قصير المدى. وغالبًا ما تميل الحروب التي تنشأ عن مثل هذه الديناميكيات إلى التصعيد بسرعة والاستمرار لفترات طويلة. فعندما تصبح المصداقية هي العملة المركزية في عملية اتخاذ القرار، تتصلب الإشارات، ويختفي الغموض، ويزداد احتمال سوء التقدير.
وفي هذا السياق، لا يكمن الخطر فقط في النوايا العدائية للولايات المتحدة أو إيران، بل في التآكل التدريجي للمخارج السياسية القابلة للحياة.
الواقع العملياتي: لماذا تعد «الحرب المحدودة» مجرد وهم
إن الافتراض القائل بأن الولايات المتحدة يمكنها تنفيذ عمل عسكري نظيف ومحدود ضد إيران يستند إلى عدة فرضيات هشة: الوصول الموثوق إلى القواعد الإقليمية، والاستخدام غير المتنازع عليه للمجال الجوي، واستمرارية الإمدادات اللوجستية، وخصم مستعد لامتصاص الضربات دون رد فعل كبير. كل واحدة من هذه الفرضيات قابلة للتشكيك.
فالجغرافيا وحدها تفرض قيودًا شديدة. فإيران دولة واسعة وكثيفة السكان، تتمتع بعمق استراتيجي كبير. والمسافات الطويلة من القواعد الأمريكية الرئيسية في قطر والكويت والبحرين والإمارات العربية المتحدة تعني اعتمادًا كبيرًا على التزود بالوقود جوًا، وتعقيدًا في توليد الطلعات الجوية، وحاجة مستمرة للوصول إلى المجال الجوي الإقليمي.
كما أن الدول المضيفة، بما في ذلك العراق والكويت وقطر والسعودية، قد تواجه ضغوطًا سياسية داخلية وخوفًا من ردود فعل إيرانية، مما قد يدفعها إلى تقييد أو سحب دعمها بمجرد بدء الأعمال القتالية. وهذه القيود تميل إلى التزايد، لا إلى الاختفاء، كلما طال أمد الصراع.
القدرة على الصمود عامل حاسم آخر. فالحملات الجوية والصاروخية الحديثة تستهلك موارد هائلة. فالذخائر الدقيقة، وصواريخ الاعتراض، وقطع الغيار، وطائرات التزود بالوقود، والخدمات اللوجستية البحرية تعتمد على سلاسل إمداد معقدة تشمل الولايات المتحدة وأوروبا وحلفاء إقليميين.
والسؤال ليس ما إذا كانت هذه الموارد موجودة في المطلق، بل ما إذا كان يمكن توفيرها بشكل مستمر وعلى نطاق واسع مع حماية القوات المنتشرة من الهجمات.
والأهم من ذلك أن السيطرة على التصعيد غير متكافئة. فإيران تمتلك حوافز قوية للرد على أي هجوم كبير. فمن منظور طهران، فإن امتصاص ضربة دون رد سيشجع على مزيد من الضغوط من الولايات المتحدة وإسرائيل، ويعرض بقاء النظام للخطر.
لذلك لن يكون الرد غير عقلاني أو متهورًا، بل رد فعل متوقع على تهديد يُنظر إليه على أنه وجودي.
وبمجرد أن تحدث الردود الانتقامية ضد قواعد في العراق أو سوريا أو قطر، أو ضد أصول بحرية في الخليج العربي أو البحر الأحمر، فإن فكرة الصراع «المحدود» تنهار بسرعة.
حينها يواجه صانعو القرار في واشنطن معضلة معروفة: التصعيد لإعادة ترسيخ الردع، أو التوقف وقبول ضرر في السمعة أمام حلفاء مثل إسرائيل. ولا يؤدي أي من الخيارين إلى إنهاء منظم للصراع.
موقف الردع الإيراني والبعد التكنولوجي
غالبًا ما يُحلل الموقف العسكري الإيراني أساسًا من زاوية قدراته الصاروخية الباليستية، لكن استراتيجية الردع الإيرانية أوسع وأكثر تكيفًا. فهي تركز على الانتشار والتكرار والقدرة على فرض تكاليف عبر مجالات متعددة، بدلاً من المنافسة بشكل متماثل مع القوة العسكرية للولايات المتحدة.
تلعب القوات الصاروخية دورًا محوريًا، خاصة بقدرتها على تهديد القواعد الأمريكية في العراق وسوريا والكويت وقطر والبحرين، وكذلك البنية التحتية الحيوية وحركة الملاحة المرتبطة بالسعودية والإمارات وسلطنة عمان.
حتى أكثر أنظمة الدفاع تقدمًا، بما في ذلك تلك التي تنشرها الولايات المتحدة وإسرائيل، تعتمد على مخزونات محدودة من الصواريخ الاعتراضية.
إلى جانب الأنظمة القتالية، استثمرت إيران بشكل كبير في القدرة على الصمود، بما في ذلك البنية التحتية المحصنة، وأنظمة القيادة والسيطرة اللامركزية، والتركيز المتزايد على الأمن السيبراني والحرب الإلكترونية.
كما تشير مؤشرات موثوقة إلى أن البلاد تسعى إلى تقليل اعتمادها على الأنظمة الرقمية الغربية، وتعزيز شبكاتها ضد الاختراق، وتنويع أنظمة الملاحة والاتصالات.
بيئة الاستخبارات وأجهزة الاستشعار تتطور أيضًا. فالتحسينات في تغطية الرادار والمراقبة الإلكترونية، بما في ذلك تلك الناتجة عن التعاون التقني مع روسيا وبدرجة أقل مع الصين، قد تعقد العمليات الجوية الأمريكية دون الحاجة إلى إنكار التفوق الجوي بالكامل.
كما أن الدعم التقني الخارجي يضاعف هذه التأثيرات. وعلى الرغم من أن أياً من القوى الكبرى، بما في ذلك روسيا أو الصين، لا يبدو مستعدًا للتدخل عسكريًا للدفاع عن إيران، فإن الدعم غير المباشر في القدرات السيبرانية والاستخباراتية والتقنيات الدفاعية يمكن أن يزيد بشكل كبير من صعوبة حملة طويلة الأمد.
التداعيات على القطاع الخاص الدولي
بالنسبة للشركات والمتخصصين في الأمن، فإن المخاطر الأكثر أهمية لا تتركز في المرحلة الأولى من الأعمال القتالية، بل فيما يحدث لاحقًا إذا طال أمد الصراع أو امتد إقليميًا. وهناك عدة مصادر محتملة عالية الاحتمال للمخاطر:
- تعطيل الملاحة والطاقة
حتى التدخلات المحدودة في طرق الملاحة في مضيق هرمز أو الخليج العربي أو البحر الأحمر قد يكون لها تأثير غير متناسب على أسواق التأمين وتكاليف النقل وأسعار الطاقة، مما يؤثر على أوروبا وشرق آسيا والاقتصادات المستوردة الرئيسية.
- عدم الاستقرار العملياتي المستمر
حملة طويلة الأمد ستغير حسابات المخاطر في قطاعات مثل الطيران والبناء والخدمات اللوجستية والبنية التحتية في العراق والسعودية والإمارات والأردن وتركيا، مع آثار غير مباشرة على الشركات الأوروبية والآسيوية.
- التصعيد السيبراني والتأثيرات الجانبية
من المرجح جدًا حدوث مواجهة موازية في الفضاء السيبراني قد تؤثر على أنظمة الطاقة والموانئ والمؤسسات المالية والخدمات المعتمدة على الأقمار الصناعية، بما في ذلك الأصول في أوروبا وآسيا حتى دون وجود مادي في المنطقة.
- تقلبات سياسية في الدول المضيفة
قد تواجه دول مثل العراق أو الأردن أو البحرين اضطرابات داخلية أو تعديلات سياسية تحت الضغط، مما قد يؤثر على استقرار اتفاقيات الوصول والعبور التي كانت تعتبر مستقرة في أوقات السلم.
بالنسبة للقطاع الخاص، فإن الاستجابة المناسبة ليست التنبؤ بل الاستعداد. يجب أن تفترض خطط الطوارئ وجود احتكاكات وتأخيرات وتأثيرات غير مباشرة كظروف أساسية، لا كافتراضات متطرفة.
حرب يصعب السيطرة عليها ويستحيل تجاهلها
مع بداية الأعمال القتالية بين الولايات المتحدة وإيران، لم يعد النقاش افتراضيًا. السؤال لم يعد ما إذا كانت الحرب ممكنة، بل كيف سيتطور صراع بدأ مدفوعًا أكثر بتراكم الديناميكيات السياسية منه بمنطق استراتيجي واضح.
فالتصعيد لا يحدث لأنه يعد بنتائج حاسمة، بل لأنه بمجرد تجاوز عتبات معينة، فإن القصور الذاتي السياسي والسمعي يحد بشدة من خيارات الاحتواء.
تشير المراحل الأولى من الصراع إلى هشاشة الافتراضات المتعلقة بالسيطرة والتناسب والمدة. فالقيود العملياتية، والحوافز البنيوية للانتقام، وبيئة تكنولوجية تتسم بالاحتكاك المستمر، تشير إلى مواجهة يصعب إدارتها بطبيعتها ويصعب إنهاؤها بطريقة منظمة.
ومع اتساع عدد الأطراف المتأثرة، بما في ذلك الحلفاء الإقليميين للولايات المتحدة والدول المعرضة لردود فعل إيرانية غير مباشرة، يميل الصراع إلى التوسع وظيفيًا حتى دون إعلان رسمي لحرب إقليمية.
كما أن المشاركة غير المباشرة لدول ثالثة تضيف طبقات إضافية من التعقيد. فالدعم التقني والتعاون الاستخباراتي والمساعدة في مجالات مثل الفضاء السيبراني ترفع التكاليف وتطيل أمد عدم الاستقرار دون أن تتجاوز بالضرورة العتبات التي قد تؤدي إلى مواجهة مباشرة بين القوى الكبرى.
مثل هذه البيئة تميل إلى إنتاج صراعات طويلة وغامضة ومقاومة للحلول السريعة.
بالنسبة للقطاع الخاص الدولي ومجتمع الأمن، فإن الدرس الأساسي واضح: الخطر الرئيسي لم يعد يكمن في توقع بداية الصراع، بل في التقليل من شأن مدته وطبيعته التراكمية وتأثيراته من الدرجة الثانية والثالثة.
فالمنظمات التي تستمر في التخطيط على أساس اضطراب قصير أو محدود قد تجد نفسها معرضة لبيئة من التقلبات المستمرة.
وفي صراع بدأ بالفعل، فإن الاستعداد لسيناريوهات طويلة الأمد ليس خيارًا احترازيًا فحسب، بل ضرورة تشغيلية.
خليل صياد هيلاريو
المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة SAHCO Consulting
مدريد، 5 مارس 2026
امنح حياتك المهنية فرصة جديدة للحياة
متابعة وحدات الدورة التدريبية النظرية والعملية التي تثريها الملاحظات الحالية من الميدان




